إن من أعظم الطغيان وأخطره، وأشده انحرافًا وآثارًا، الطغيان في الملك والحكم، لقد قص علينا ربنا سبحانه أخبار من طغوا في ملكهم، وكيف عتوا عن أمر ربهم، وعصوا رسله، وأوضح لنا سبحانه أوصافهم وأقوالهم، وكيف كانت نهايتهم، قصَ علينا ذلك، لا للتسلية، وإنما لأخذ العبرة والعظة، والتحذير من التأسي بهم.
لقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أحوال الطغاة ، والمصير الذي آلوا إليه، بسبب تجبرهم وطغيانهم ، وبسبب جرائمهم ضد شعوبهم والشعوب الأخرى ، لكنهم ذهبوا جميعاً ،وبقيت الشعوب رغم كل ما أصابها من ألم وتضحيات ، ولو أردنا أن نستعرض ذلك ، فسنجد قمة الطغيان والمثل الأعلى له – هو- فرعون.
إننا حين نستعرض آيات القرآن، تتضح لنا بعض الملامح العامة في المنهج الفرعوني في الطغيان، مع كفره بربه، وادعائه للربوبية.
فرعون : يُعتبر رأس وقمة الطغيان بأنواعه (السياسي- الاجتماعي – الاقتصادي...) حين ظن أنه ملك مصر وأنهارها وسكانها ) أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي(.
فرعون : استعبد بني إسرائيل ، وسخرهم لأهوائه، وملذاته ، وشهواته، ومطامعه، )وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ( ، تسيل الدماء ، وتقتل أرواح الأبرياء، ، قال سبحانه عن فرعون: )يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ( .
فرعون : يوهم الرعية أنه خُلِق من طينة غير طينتهم، فهو الإله الذي يجب أن يعبد ويطاع ، وعلى الرعية أن تخضع وتذل له ، ) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ( ،وقال :)مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي( وقال: )ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ( (.
فرعون : الطاغية المتكبر ، الذي استعبد الناس حين ظن أنه هو الأقدر على فهم الأمور فقال: )مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ ( فليس للناس رأي ، ولا للمصلحين فهم ووعي ، فهو يتعجب من دعوة موسى له ومجابهته إياه: )قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ( لقد ادعى معرفة الحقيقة، وأصبح الناصح لشعبه ، الخائف عليهم من موسى ودعوته ): إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ( .
فرعون : المتزاهي على الآخرين بالملك والجاه والمال، ،جعله يستحقر الآخرين ويعيبهم فقال عن موسى:) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ( .
فرعون : المعادي للدين وأهله، استخدم أشد أنواع التعذيب مع مخالفيه ، فتوعد السحرة حين آمنوا بقوله:) فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ( ،)قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ( ، مع أن هؤلاء المؤمنين ما نازعوا فرعون في ملكه، وما نادوا بالخروج عليه، وإنما أعلنوا إيمانهم وأظهروا شعائر دينهم، ولكن أنّى للطغيان أن يفقه شيئاً : )فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى( ، يهدد ويتوعد خصومه بالسجن، ويملأ المعتقلات بالمظلومين، فحين جادله موسى في الربوبية، وبطلت حجته، وانقطعت، جاء التهديد الفرعوني، بقوله : )لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
فرعون : الذي ثبت دعائم ملكه بإغراء من ينفعه بالمنصب ، ويشترى ذمة من يريد بالمال ، قال تعالى: )وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(.
فرعون : صاحب المجادلة، واللجاجة في الباطل،فقد قص علينا القرآن كثرة جداله مع ضعف حجته وسفاهة رأيه فقال لموسى مجادلا:) وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ(، وقال: )فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى( ، وقال) :إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورً(
هذه المجادلة ليست بقصد الوصول إلى الحق، وإنما بقصد رد الحق وإضعافه، والسبب في ذلك أن فرعون يرى نفسه السيد الأعلى الذي يجب أن يُسَخر له كل شيء قال تعالى): وَجَحَـدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسـُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا(.
هذه السياسة الفرعونية، بجبروتها وطغيانها ، وبقهرها وقبضتها الحديدية جعلت من فرعون صنمًا مطاعًا طاعة عمياء، طاعة طمعًا في الدنيا، ولأجل العاجلة، هذا الانحراف في الطاعة عبّر عنه القرآن بالاستخفاف، قال تعالى)فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ( .
لقد هلك الطاغية – رمز الطغاة - فكأنه ما كان هو ولا ملكه، وجعله ربه عبرة لكل طاغية بعده، فَلَفَظَه البحر على شاطئه ليراه الناس)فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ(،
وصار ما كان من ملك ومن ملك ** كما حكى عن خيال الطيف وسنان
هذه نهاية الطغيان، كما قال تعالى : )وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون( هذه الجثة التي يراها الناس، كانت يومًا من الدهر تقول) :أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى( ، كم أرعدت وأبرقت هذه الجثة، وأرعبت بخطاب )لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ( .
Read more...