جفوة الزمن
( قصة قصيرة )
في ليلة غاب قمرها ، الظلام حالك ، والصمت بلغ غايته ، تجلس امرأة طاعنة في السن ، تتمتم بتسبيح الخالق ، وفي يدها سبحة تعد فيها ما قامت بتسبيحه0
تدخل عليها ابنة الجيران كأنها فلق الصبح ، فإذا رأتها قامت من مكانها مرحبة بها داعية لها بأن تجلس بجانبها ، فقد دأبت بدور على الحضور كل يوم إلى أم ناصر جالبة معها ما قدره
الله لها من طعام وشراب 0
خالتي أم ناصر لماذا لا تبوحين لي بمكنون نفسك ، فإني أحس أن سرا دفينا تخفينه بين جوانحك ....... فتجيبها أم ناصر ، يا بنيتي لطالما وددت أن أكتم سري في نفسي ، ولكنني اليوم قررت أن أبوح به إليك 0
لقد عشت عيشة هنية يحسدني عليها كثير من الناس ، فزوجي رجل كريم الطبع سعى جاهدا لإسعادي ، لم يتوان يوما في تحقيق رغباتي مر على زواجي منه خمسة أعوام لم نرزق بولد ، حتى جاءت اللحظة التي شعرت فيها أن شيئا يتحرك في بطني ، فكم فرحت يا بنيتي ، وكم فرح وما هي إلا تسعة أشهر حتى رزقنا الله بناصر 0
عشنا فيما نظن حياة جميلة بلغ فيها ناصر مبلغ الرجال حتى أكمل دراسته الجامعية وجاءت الساعة التي قدر فيها أن يغادرنا لإكمال دراسته فوافق والده على مضض 0 وذهب وقلبي يتقطع عليه ، فما هي إلا ثلاث سنوات حتى توفى والده ، فجأة انقطعت أخباره 0
عشت في كبد ، وطال على الأمد ، وأنا أنتظر من يأتيني بخبره ، حتى جاء اليوم الذي لم أكن أتوقعه ، وإذا بي أرى ولدى ناصر أمامي ، فخررت ساجدة لربي ، حامدة له على السلامة ، وإذا بناصر اليوم خلاف ناصر الأمس ، قد أثرت به بلاد الافرنجة ، وأصبح لا يتكلم من العربية إلا ما كان من أجل خدمته ، وقضاء حاجته 0
وكبقية الأمهات أحببت أن أدخل السرور لنفسه وفاتحته بأن أزوجه فوافق على طلبي مقرونا بشروط خاصة ، فسعيت جاهدة حتى حصلت له على ما تمنى ، وتم زواجه 0
عاش مع زوجته ونساني ، لقد تخلى عني وأنا في غمرة جراحي ، لقد تنكب لي ، أصبت بالأمراض والأوجاع وبدل أن يقوم بخدمتي جعلني خادمة له ولزوجته 0 وليت الأمر اقتصر على ذلك ، فقد كانت زوجته تختلق المشاكل معي اذا أحست بقرب مجيئته فلا يزيده بكائها إلا حنقا على ، وكسرا لفؤادي0
لقد نسي أنني حملته في أحشائي وأتعبت نفسي ، لقد جعت ليشبع وسهرت لينام ، وعالجت مرارة سفره وانقطاع أخباره حتى إذا كبرت سني عالجني – يا بنيتي – بأن تركني في هذا المنزل ولم يكلف نفسه عناء السؤال عني 0
لقد سمعت أنه قد رزق بالأبناء ، أليس من حقي أن أراهم وأمتع ناظري برؤيتهم ، لقد فكرت أن أذهب إليه ولطالما حدثتني نفسي بألا أذهب 000 ولكن ذهبت 0
ذهبت إلي السوق ، واشتريت الهدايا لأبنائه ضربت بابه ، خرجت لي زوجته ، فنظرت إلى ونادت ( ولدي ) لقد رآني 0 جاء مسرعا ، فرحت – ولكن 000 لقد أغلق الباب في وجهي 0
لقد تمنيت أنني لم أحمل به ولم ألده ، وها أنا ذا أنتظر منيتي بفارغ الصبر ، داعية له بالهداية والصلاح ........فالذنب - يا بنتي - لا يبلى والديان لا يموت ، وكما تدين تدان0








